العيني

13

عمدة القاري

4 ( ( بابُ : * ( الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عضِينَ ) * ( الحجر : 19 ) ) أي : هذا باب في قوله عز وجل : * ( الذين جعلوا القرآن عضين ) * وليس في بعض النسخ لفظ : باب وقبله : * ( وقل إني أنا النذير المبين كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين ) * ( الحجر : 98 19 ) . قوله : ( وقل ) ، أي : قل يا محمد إني أنا النذير المبين عذاباً كما أنزلنا على المقتسمين ، فحذف المفعول فهو المشبه ودل عليه المشبه به ، كما تقول : أرتيك القمر في الحسن أي : رجلاً كالقمر ، وقيل : الكاف زائدة ، أي : أنذرتكم ما أنزلنا بالمقتسمين ، وقيل : متعلق بقوله : * ( ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ) * ( الحجر : 78 ) * ( كما أنزلنا على المقتسمين ) * ( الحجر : 09 ) والآن يجيء تفسير المقتسمين . قوله : ( الذين جعلوا القرآن ) صفة للمقتسمين ، قوله : ( عضين ) أي : أعضاء متفرقة ، من عضيت الشيء ، أي : فرقته ، وقيل : هو جمع عضة وأصلها عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء أي : جزَّأها أجزاء ، وقيل : أصلها عضهة فحذفت الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة وأصلها شفهة ومن الشاة وأصلها شاهة ، وبعد الحذف جمع على عضين مثل ما جمع برة على برين وكرة على كرين وقلة على قلين ، وروى الطبري من طريق قتادة ، قال : عضين عضوه وبهتوه ، ومن طريق عكرمة ، قال : العضة السحر بلسان قريش ، يقال للساحرة العاضهة . المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ حَلَفُوا إنما سموا بذلك لأنهم كانوا يستهزئون بالقرآن فيقول بعضهم : السورة منه لي ، ويقول الآخر : السورة منه لي ، وقال مجاهد : فرقوا كتبهم فآمن بعضهم ببعضها وكفر بعضها آخرون ، وقيل : هم قوم اقتسموا القرآن ، فقال بعضهم : سحر ، وقال آخرون : شعر ، وقال آخرون : أساطير الأولين ، وقال آخرون : كذب وسمر ، وقال مقاتل : كانوا ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا عقار مكة وطرقها وقعدوا على أبوابها وأنقابها ، فإذا جاء الحاج قال فريق منهم : لا تغتروا بالخارج منا مدعي النبوة فإنه مجنون ، وقالت طائفة على طريق آخر : إنه كاهن ، وقالت طائفة : إنه عراف ، وقالت طائفة : إنه شاعر ، والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه كاهناً ، فإذا سئل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : صدق أولئك ، يعني المقتسمين ، وأهلكهم الله عز وجل يوم بدر وقبله بآفات . ومنْهُ لا أُقْسِمُ أيْ أُقْسِمُ وتُقْرَأُ لأُقْسِمُ أي : ومن معنى المقتسمين : لا أقسم ، وأشار بذلك إلى أن معنى المقتسمين من القسم ، فلذلك قال : المقتسمين الذين حلفوا ، وليس الأمر كما ذكره ، بل هو من الاقتسام لا من القسم فلا يصح جعل لا أقسم منه . قوله : ( أي أقسم ) أي : معنى : لا أقسم ، أقسم لأن كلمة : لا ، مقحمة ، وقال أبو عبيدة في قوله تعالى : * ( لا أقسم بيوم القيامة ) * ( القيامة : 1 ) مجازها : أقسم بيوم القيامة ، وقيل : كلمة : لا ، على بابها ، والمعنى : لا أقسم بكذا وكذا بل بكذا ، وقيل : معناه ليس الأمر كما زعمتم . قوله : ( وتقرأ ) على صيغة المجهول ، والقارىء بها ابن كثير : لأقسم ، بفتح اللام بغير مدو هو لام التأكيد ، وقيل : لام القسم . قاسَمَهُما حَلَفَ لَهُما ولَمْ يَحْلِفا لهُ أشار بهذا إلى أن باب المفاعلة هنا ليس على أصله ، وإنما هو على معنى : فعل ، لا للمشاركة ، وهذا في قوله تعالى : * ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) * ( الأعراف : 12 ) أي : قاسم إبليس آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام ، ومعناه : حلف لهما أنه من الناصحين لهما ، في قوله : * ( ما نهاكما عن هذه الشجرة ) * ( الأعراف : 02 ) . . . الآية . قوله : ( ولم يحلفا له ) ، أي : لم يحلف آدم وحواء لإبليس ، وبهذا أشار إلى عدم المشاركة في قوله : وقاسمهما ، كما ذكرناه . وقال مُجاهِدٌ تَقاسَمُوا تَحالَفُوا أي : قال مجاهد في معنى قوله تعالى : * ( تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ) * ( النمل : 94 ) أي : تحالفوا ، وكذا أخرجه الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه ، ومراده من ذكر هذا والذي قبله تقوية ما ذهب إليه من أن لفظ المقتسمين من القسم لا من القسمة ، وهو خلاف ما ذكره الجمهور من المفسرين .